قيام الليل وقيام النهار

همة الداعية

د. محمد أحمد عزب (خاص بموقع مهارات الدعوة)

تمثل الهمة في حياة المرء الدعامة الأولى في ريادته وتفوقه وتحقيقه ما يصبو إليه من آمال وأحلام، والهمة هي التي تمثل الحافز لدى المرء لاقتحام الأهوال رغبة في الوصول لما يريد.

لا يستطيع المرء أن يحقق في الحياة هدفًا إذا لم تكن له أحلام يطمح في تحقيقها، ليست الهمة هي طول الأمل المنهي عنه، وليست هي العمل للدنيا وترك الآخرة، بل الهمة هي الدافع والمحرك الذي يجعل المرء يتقلب في الليل استبطاء لطلوع الفجر، وقد قضى ليله ساهرًا في همته.

من الملائم للمرء أن تكون همته في الاتجاه الصحيح الذي يناسب قدراته واهتماماته، وقد وجهتنا الشريعة ممثلة في أدلتها وممارسات القمم الشوامخ من أهلها إلى ضرورة جعل الهمة في جانب نيل الحق والسعي في توطينه، والحث على دركه ونيله.

حين يسأل الداعية نفسه ما هو الاتجاه الذي يجب عليّ توجيه الهمة نحوه والسهر من أجله والقلق على فوته، والجد في طلبه، فإنه لا يجد إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم ليتأسى به، يقول الله تعالى: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [النحل: 37] وإذا كانت الآية تقرر حقيقة أن الهداية بيد الله تعالى أولًا، فإن حقيقة أخرى تتجلى في الآية وهي في قوله تعالى: (تحرص) يقول صاحب التحرير والتنوير (وفي الآية لطيفتان:

الأولى: التعريض بالثناء على النبي صلى الله عليه وسلم في حرصه على خيرهم، مع ما لقيه منهم من الأذى الذي شانه أن يثير الحنق في نفس من يلحقه الأذى؛ ولكن نفس محمد صلى الله عليه وسلم مطهرة من كل نقص ينشأ عن الأخلاق الحيوانية…)([1]).

فرغم ما لقيه النبي منهم ورغم شدتهم عليه إلا أنه كان حريصا كل الحرص على هدايتهم، وما ذاك إلا لصفاء قلب اختصه الله به، ونال كل إنسان من هذا الصفاء قدرا، وعلى قدره من اكتسابه يكون قدره من تلمس هديه صلى الله عليه وسلم، ولقد وصفه الله تعالى : {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } [التوبة: 128] فقد قيل في معناه (لا يهمه إلا شأنكم)([2])

وإذا كان من الملاحظ أن ما سلف هو مشاعر نفسية – فإن هذه المشاعر لم تكن تقف عند حد الشعور الذي ليس له رصيد في الواقع، من المدافع والمغالبة؛ فالقوة الكامنة لا تحرك آلة ولو ظلت طول الدهر، بل لا بد للقوة الكامن من قوة دافعة حتى توطئ الحرث وتذلل الصعب وتعبد الأرض، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل أصدق المشاعر وأعظم الهمة، وانظر إليه صلى الله عليه وسلم وهو يقول: « والذى نفس محمد في يده لولا أن أشق على المؤمنين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدى » ([3])

وانظر إلى نبي الله نوح عليه السلام وهو يتضرع إلى ربه: ({رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا } [نوح: 5 – 9]

فقد استعمل عليه السلام كل الوسائل الممكنة في دعوة قومه كما استعمل كل أجزاء الزمن في البلاغ المبين، ولم يجلس خلفهم آسفًا على ما آلت إليه أوضاعهم متحسرا على كفرهم وعنادهم.

كان هذا في الرسل وفي أتباعهم، ولقد أورد القرآن حوارًا طويلا لمؤمن آل فرعون وهو يجهر بكلمة الحق في مواجهة سلطة هي من أعتى سلطات التاريخ على الإطلاق، في أربع عشرة آية ربما يوازي ما جاء على لسان الكليم في حواره مع الكافرين.

وعلى السبيل ذاته حمل مؤمن ياسين نفسه المريضة وسعى بها يبذلها بهمة منقطعة النظير، فقد كان في أطراف المدينة فليس هو من خلصها الممسكين بأموالها القاطنين في وسطها، ورغم ما كان به من مرض فقد قال ابن عباس في شأنه: نصح قومه حيًا وميتًا. وذلك في تأول قوله تعالى: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) } [يس: 26، 27] ([4])

وتلك همة دونها الهمم، أن يكون همُّ المرء هداية الناس حيًا وميتًا.

إن هذا بحق هو طريق الأخيار الذين لا يكتفون بشكاية الزمن، والحط من شأن الناس والتصور أن الزراية على الناس هو انتصار للشرع وغيرة عليه وقيام بحقه، وترديد: فكيف لو رأوا زماننا؟! حين يسمعون أن الحسن البصري رحمه الله قال ( لو أن رجلا أدرك السلف الأول ثم بُعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا ـ قال: ووضع يده على خده ثم قال: إلا هذه الصلاة…) ثم يعقب ويقول : فكيف لو رأوا زماننا؟!

فلم يكن الحسن بالرجل البطال الذي يجلس ويعيب على فساد الزمان، بل ملأ علمه طباق الأرض، ولا تجد كتابًا في التفسير أو الفقه أو الحديث إلا وللحسن كلام أو رأي أو مذهب

وهكذا فلتكن همة الداعية لا يعيب ولا يتسخط قبل أن يبذل الوسع، وحين يبذل الوسع فإنه لن يعيب على أحد وسيظل مشعولا طول الدهر بهداية الناس والقيام على أمورهم، وهذه هي الهمة المطلوبة التي يتوجب على الداعية ألا يدعها أبدا، فإن قيامه بالبلاغ على وجوهه المتعددة، هو في الأساس تخلق بأخلاق المرسلين الذين يجب لهم الاتصاف بالبلاغ ويستحيل عليهم الكتمان.

([1])التحرير والتنوير (13/ 121)

([2])تفسير القرطبي (8/ 302)

([3]) متفق عليه.

([4])تفسير القرطبي (15/ 20)

 

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

اترك تعليقا