قيام الليل وقيام النهار

هكذا أنصف الإسلام المرأة

هناء ثابت

كان لماضي المرأة -بلا ريب- أثرٌ عظيمٌ في نفسها إذ حملها على التخلُّق بأخلاق 525620121128140اقتضتها حالتها غير ما غرسته فيها الطبيعة من المواهب الفطرية وقد تثبت فيها تلك الأخلاق المكتسبة مع توالي الأجيال ومما زادها ويزيدها وضوحًا: (التربية والانتخاب الجنسي.. فبالتربية تتدرب الفتاة على السجايا المرغوب فيها فتقوى تلك السجايا بالتمرين وبالانتخاب الجنسي وتنمو فيها الصفات التي تروق للرجل إذ إنَه لا يتزوج إلا مَنْ اتصفت بها فتتوارث تلك الصفات من جيلٍ إلى جيل وتبرز شيئًا فشيئا.. في حين أن الصفات المكروهة تضعف وتتلاشى لاجتناب الرجل كل امرأة متصفة بها، وهذا هو المُراد بالانتخاب الجنسي).

فما هي إذن الصفات والسجايا التي اكتسبتها المرأة من ماضيها؟ أما من الوجهة الجسمانية فقد اكتسبت ضعف العضلات والجسم عمومًا وهو نتيجة معيشتها الهادئة بالنسبة إلى معيشة الرجل، وأما من الوجهة المعنوية فالصفات التي برزت فيها هي: «الميل إلى الحياة البيتية والعناية بمهام المنزل والحياة والخوف والجَلَد والصبر والاهتمام بالجزئيات والأمور الدقيقة والسعي إلى اجتذاب الرجل وإرضائه لأنَه يقف عليه كل شيء والطاعة واللين إزاء رب الدار وصاحب القوة والسلطان (وذلك يجعلها تخشِن الكلام مع مَنْ دونها من الخدم كأنها بذلك تثأر لنفسها)، ولديها مهارة غريبة في حرز رغبته كي تستبقه إلى إنجازها.. وحذق في تضليله وخداعه إذا كان قاسيًا (أو على الأقل إخفاء عواطفها إذا اضطرت إلى ذلك).. تلك بعض الصفات التي نَمَت في خُلُق المرأة لأنها كانت لازمة لها حتى تعيش مع الرجل وتحوز رضاه.

وكيف تتوقع من المرأة المنزوية في دارها أن تكون لها نفس القدرة الفعلية التي نالها الرجل من جراء احتكاكه بالعالم واهتمامه بالمسائل الخطيرة.. العمومية والخصوصية، فإنها ما برحت تُعامَل.. إما بالازدراء أو بالتمليق وكلاهما مُضِر على السواء، وقد نجم عن ذلك أنها عاشت في عزلة وجهل أو اكتفت بإنماء مواهب سطحية تبهر أكثر مما تفيد والرجال غالبًا يكرهون النساء العالمات صاحبات الخُلُق القوي والعقل الراجح؟ بل كيف لا تكون المرأة نعجة عديمة الاستقلال والذاتية المعنوية مع ما تحمله من ضغط الرأي العام أجيالاً طويلة ذلك الرأي الجاهل الذي يبيح للرجل كل شيء ويأبى إلا أن يؤاخذها بأدنى هفوة، ذلك الرأي الذي لا يلوم إلا الضحية؟

إن الحديث اليوم عن اتصاف المرأة بالإنسانية واستحقاقها كرامة الإنسان أمر بديهي مُسَلَّم به لا يحتاج لإعادة ولا إلى ذكر، ولكننا نذكر ذلك الواقع التاريخي الأسود قبل الإسلام ليعلم كل إنسان فضل الإسلام الحنيف على الإنسانية إذ كان هو المعلم المؤثِر في التقدم الإنساني العظيم.. ولتحس المرأة أنَها مدينة في فوزها بحقوق الآدمية والكرامة.

فقد أقر القرآن الكريم مشاركة المرأة للرجل في الإنسانية فهي جزء مخلوق منه ثم هي شريكة في بث الحياة البشرية على هذه المعمورة، وتجلى ذلك بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (النساء: 1).

كذلك قرر القرآن استقلال المرأة عن الرجل وأنَها مسؤولة عن نفسها مسؤولية مستقلة عن الرجل وأنها تثاب على عملها الصالح ثوابًا كاملاً لا ينقص شيئًا عن ثواب الرجل: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} (النساء: 124).. وألغى القرآن الكريم ما جرت عليه التقاليد في الجاهلية من حرمان المرأة من التملك فأقر لها هذا الحق وجعله حقًا لها، في قوله تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ} (النساء: 32)؛ فقرر الإسلام لها حق الملكية والإفادة بالكسب وقد أثبت هذا الحق للمرأة في جملة مستقلة، بقوله تعالى: {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ}.. ولم يقل جل شأنه: للرجال والنساء نصيب مما اكتسبوا فأفاد بذلك استقلال المرأة في حقوقها عن الوصاية وأنها في أصالة هذا الحق كالرجل سواءً بسواء فأقر لها حق التصرف بنفسها وألغى ما كانت عليه الجاهلية في ميراث النساء فكانوا إذا مات الرجل جاء أحد أقربائه وسبق إلى امرأة الميت وألقى عليها الخمار فكان أوْلى بها من نفسها.. حيث قال تعالى: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ} (النساء: 19)، وهكذا ما زال القرآن يُعْلي من شأن المرأة ويغرس في نفسها الثقة والإيمان بحقوقها حتى أصبحت تقف أمام الخلفاء موقف الجسارة دفاعًا عن تلك الحقوق وتصحيحًا للخطأ فيها.

كما رفع القرآن من منزلة المرأة الأدبية واستنقذها من الحضيض وبوأها الأوج فبقيت في سماء المجتمع الإسلامي شيئًا مقدسًا تتطاول إليه الأنظار بالحماية والرعاية.. فهي في هذا الجو من الاحترام والتقديس تمتعت بنعمة الإسلام.. وتطورت المكانة التي كانت تشغلها المرأة وتحررت من عصور الاستلاب والاستغلال وتمتعت بمكانة هامة في المجتمع.. حيث ساواها مع الرجل وأعطاها معظم حقوقها في كل شيء، لذلك نرى أنَ المرأة هي الأساس في المجتمع، وقد لاقت اهتمامًا كبيرًا منه لدرجة أنها تشكل نصف المجتمع.

ومن هذا كله يظهر لنا أن الإسلام خفض للمرأة جناح الرحمة وشملها في جميع تشريعاته بعطف كريم ورعاية رحيمة وسما بها إلى منزلة رفيعة لم تصل إلى مثلها في أي شريعة أخرى من شرائع العالم قديمة وحديثة.. وساوى بينها وبين الرجل في معظم شؤون الحياة ولم يفرق بينهما إلاَ حيث تدعو هذه التفرقة طبيعة كل من الجنسين ومراعاة الصالح العام وصالح الأسرة وصالح المرأة نفسها.

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (2 votes, average: 4.00 out of 5)
Loading...

اترك تعليقا